حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

167

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها فقال « أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقا اغتبته وإن كنت كاذبا فقد بهته » « 1 » ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال أَ يُحِبُّ إلى آخره . وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه ، ومنها إسناد الفعل إلى أَحَدُكُمْ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك ، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان ، ومنها تقييد الإنسان بالأخ ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتا ففيه مزيد تنفير للطبع . وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلانا ويمضغونه ، وفلان مضغة للماضغ . شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل . والميت لمزيد التنفير كما قلنا ، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه . أما الفاء في قوله فَكَرِهْتُمُوهُ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه . أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحقق أيضا أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة . وقال ابن عباس : هي إدام كلاب الناس . وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوما فبعثاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة « لبئر من آبار مكة » لغار ماؤها . فلما راحا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهما : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟ فقالا : ما تناولنا لحما . فقال : إنكما قد اغتبتما فنزلت . قلت : قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر ، وقد عبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما . واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق . ففي الحديث « اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس » وروي « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا اللّه فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم » . وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعا من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ الآية . قال بعض الرواة : إن ثابت بن قيس حين قال « فلان ابن فلانة » قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : من الذاكر فلانة ؟ فقام ثابت فقال : أنا يا رسول اللّه . فقال : انظر في وجوه القوم فنظر فقال : ما رأيت يا ثابت ؟ قال : رأيت أبيض وأسود وأحمر . قال : فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين ، فأنزل اللّه هذه الآية . وعن مقاتل : لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بلالا حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد :

--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده 2 / 230 ، 384 ، 386 ) مسلم في كتاب البر حديث 70 أبو داود في كتاب الأدب باب 35 الترمذي في كتاب البر باب 23 الدارمي في كتاب الرقاق باب 6 .